محمد بن محمد ابو شهبة

439

السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة

ونافح عنه ، والقوي حقا هو الذي يرحم الضعفاء ، والعظيم حقا هو الذي يلتمس المعاذير لمن يستزلهم الشيطان في غفوة من صدق الإيمان ووازع الضمير ! ! . مسيرة الجيش إلى مكة ثم مضى رسول اللّه لغزوته واستخلف على المدينة أبا رهم كلثوم بن حصين الغفاري ، وكان خروجه لعشر مضين من رمضان من السنة الثامنة ، فصام وصام الناس معه ، حتى إذا كان بالكديد - موضع بين مكة والمدينة - أفطر حتى قدم مكة وانسلخ الشهر ، وخرج معه المهاجرون والأنصار لم يتخلف منهم أحد ، وانضمّ إليهم آلاف من سليم ومزينة وغطفان وغيرها ، وما إن وصل مرّ الظهران حتى صار تعداد الجيش عشرة آلاف وقيل اثنا عشر ألفا ، وشهدت الصحراء العربية الجيش العرمرم الذي لم تشهد له مثيلا من قبل ، في عقيدته وإيمانه ، وإيثاره الموت على الحياة والآخرة على الدنيا . إسلام العباس وبعض القرشيين وكان العباس بن عبد المطلب عم الرسول قد خرج من مكة مهاجرا إلى اللّه ، واحتمل معه أهله وولده ، فلقي الرسول بالجحفة « 1 » فأسلم ، وقد سرّ الرسول بإسلامه غاية السرور ، إذ قد كان ناصرا له ومؤيدا ، وفي هم شاغل به وبدعوته مع بقائه على دين قريش ، وإقامته بمكة على سقاية الحاج ، وخرج من قريش أيضا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي ، وعبد اللّه بن أبي أمية المخزومي ، فلقيا رسول اللّه « بنيق العقاب » والتمسا الدخول عليه ، فكلمته أم سلمة فيهما وقالت : يا رسول اللّه ابن عمك ، وابن عمتك ، وصهرك يلتمسان الدخول عليك فقال : « لا حاجة لي بهما ، أما ابن عمي فبالغ في إساءتي ،

--> ( 1 ) وقيل برابغ ، والقريتان متجاورتان ، وقد درست الجحفة وبقيت رابغ ، ويرى بعض المؤرخين أن العباس كان قد أسلم من قبل ولكنه أخفى إسلامه لمصلحة الدعوة ، فقد كان بمثابة العين لرسول اللّه على قريش ، ثم أعلن إسلامه قبل الفتح ، ومنهم من يرى أنه ذهب إلى المدينة قبل الفتح وأسلم وسار مع جيش الفتح ، ويشكك بعض المؤرخين في هذا وذاك ، والصحيح ما ذكرناه أولا .